السيد نعمة الله الجزائري
44
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
الإمام عليه السّلام لو أظهر من ذلك شيئا لما احتمله الناس من حسنه ، قلت ولم كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم يصلي بالناس ويرفع صوته بالقرآن ، فقال : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم كان يحتمل الناس من خلفه ما يطيقون ، وعند التحقيق يظهر أن ما تلوناه عليك هو السر في طعن أصحابنا الرجاليين على كثير من رواة أسرار أخبار الأئمة عليهم السّلام ، كمحمد بن سنان والجعفي والمفضل وأضرابهم ، فإنهم كانوا يحتملون ما لا يحتمله غيرهم ، فهم أرفع قدرا وأجلّ رتبة من أن يظن بهم الغلو وارتفاع القول ، وما أحسن ما قال السيد الزاهد ابن طاووس إن بعض الأجلاء من الشيعة الذين رووا أسرار الأئمة عليهم السّلام كان علو قدرهم وجلالة مرتبتهم سببا في انحطاطها عند أصحابنا حتى نسبوهم إلى ما لا يليق بجنابهم ، وعد منهم محمد بن سنان ، مع أن حديثه في الضعف عند أصحابنا أشهر من أن يذكر ، وحينئذ فلا بد من إمعان النظر في أحوال الرواة ، وأن لا يعتمد على ما دوّنه أهل الرجال ، فإنا قد شاهدنا من كتبهم ما يقضى منه العجب ، وقد ذكرناه في كتابنا الموسوم بغاية المرام في شرح تهذيب الأحكام ، وأما على تقدير ضم الحاء فظاهر ، فإنهم عليهم السّلام كانوا مجمع أخلاق سائر الأنبياء ، وكان يوجد فيهم مجتمعا ما يوجد في غيرهم متفرقا ، بحكم قوله تعالى في خطاب نبيه صلّى اللّه عليه واله وسلّم : فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ أي اقتد بكل الأنبياء ، في سائر صفاتهم الحميدة وخصالهم المجيدة ، ونحن إذا تلونا هذه الفقرة أمكننا تحصيل معنى صحيح منها يوافق حالنا كما لا يخفى ، ولا يحتاج إلى تخصيص محاسن الأخلاق بولاية أهل البيت عليهم السّلام وإن كان من أعظم أفرادها وأشرفه . « وأجرى علينا طيّبات الرّزق » أجرى هنا مأخوذ من قولهم أجريت الماء على الأرض ، ولا يخفى ما فيه من الدلالة على التوسعة في الرزق ، وعلى كوننا معاشر المرزوقين كالجمادات والأراضي التي لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا ، بل هي محتاجة في إجراء الماء عليها إلى الزارع والعامر ، والطيب إما ما هو أطيب الأرزاق طعما ولطافة لا كالتبن والحشيش ، أو هو الحلال كما فسر به قوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ * والحلال أيضا قسمان ، منه ما هو حلال في الظاهر ومنه ما هو حلال في الواقع ، ولعله عليه السّلام قد قصده ، كما روي أن رجلا قال بحضرة الإمام عليه السّلام اللهم ارزقني رزقا حلالا ، فقال له عليه السّلام الحلال رزق النبيين فكيف تطلبه ، ولكن اطلب الرزق الواسع ، وأما نحن فنقصد منه الفرد